الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

103

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عطف على « بآية » بناء على أنّ قوله : « بآية » ظرف مستقرّ في موضع الحال كما تقدم أو عطف على جملة جِئْتُكُمْ فيقدّر فعل جئتكم بعد واو العطف ، وَمُصَدِّقاً حال من ضمير المقدّر معه ، وليس عطفا على قوله : وَرَسُولًا [ آل عمران : 49 ] لأنّ رسولا من كلام الملائكة ، وَمُصَدِّقاً من كلام عيسى بدليل قوله : لِما بَيْنَ يَدَيَّ . والمصدّق : المخبر بصدق غيره ، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية ، للدلالة على تصديق مثبت محقّق ، أي مصدّقا تصديقا لا يشوبه شك ولا نسبة إلى خطأ . وجعل التصديق متعديا إلى التوراة توطئة لقوله : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي ، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة ، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مجيئه ، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل . ويستعمل بين يدي كذا في معنى المشاهد الحاضر ، كما تقدم في قوله تعالى : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ في سورة البقرة . وعطف قوله وَلِأُحِلَّ على رَسُولًا وما بعده من الأحوال : لأنّ الحال تشبه العلة ؛ إذ هي قيد لعاملها ، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابه المفعول لأجله ، وشابه الجرور بلام التعليل ، فصح أن يعطف عليها مجرور بلام التعليل . ويجوز أن يكون عطفا على قوله : بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فيتعلّق بفعل جئتكم . وعقب به قوله : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ تنبيها على أنّ النسخ لا ينافي التصديق ؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيّر الحكم . وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل ، وفي تحليل بعض ما حرمه اللّه عليهم رعيا لحالهم في أزمنة مختلفة ، وبهذا كان رسولا . قيل أحلّ لهم الشحوم ، ولحوم الإبل ، وبعض السمك ، وبعض الطير : الذي كان محرّما من قبل ، وأحلّ لهم السبت ، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل . وظاهر هذا أنّه لم يحرّم عليهم ما حلّل لهم ، فما قيل : إنّه حرّم عليهم الطلاق فهو تقوّل عليه وإنّما حذّرهم منه وبيّن لهم سوء عواقبه ، وحرّم تزوج المرأة المطلّقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة : من تذكير ، ومواعظ ، وترغيبات . وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ .